بقلم: جلال علوي تونس في: 21 جانفي 2026 بينما تُسجل مراصد الرصد الجوي تقلبات حادة في الأيام القليلة الماضية (19-21 جانفي 2026)، تعود إلى الأذهان ذاكرة الفيضانات التي طبعت تاريخ تونس الحديث. فمنذ فيضانات 1969 التاريخية وصولاً إلى اليوم، ما زال "السيناريو" يتكرر: أمطار طوفانية، خسائر بشرية ومادية، ولجان تبقى في "حالة انعقاد دائم" دون حلول جذرية.
ذاكرة الغرق: من 1969 إلى 2026
لا يمكن قراءة الواقع المناخي الحالي دون العودة إلى منعرج سبتمبر 1969؛ حينما سجلت ولاية القصرين 800 ملم والقيروان 1200 ملم في ظرف عشرة أيام فقط. تلك الكارثة التي خلّفت أكثر من 560 قتيلاً وتشريد 30 ألف عائلة، لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل كانت إنذاراً مبكراً لدورات مناخية عنيفة تكررت في أعوام 73، 82، 90 وصولاً إلى تواترها المريب في العقدين الأخيرين (2018، 2020، و2026).
هذا التواتر يخرج الظاهرة من خانة "الصدفة الجوية" ليدخلها رسمياً في خانة التغيرات المناخية.
نحن لم نعد نواجه "شتاءً قاسياً"، بل نواجه "تطرفاً مناخياً" (Climate Extremism) يضرب البنية التحتية الهشة في مقتل.
ترسانة قانونية مكبلة بـ"البيروقراطية"
الغريب في الحالة التونسية ليس نقص القوانين، بل تشتتها. فبالرجوع إلى النصوص المنظمة لمجابهة الكوارث، نجد أنفسنا أمام خليط من الأوامر التي يعود بعضها إلى فجر الاستقلال (1956)، وصولاً إلى القانون عدد 39 لسنة 1991 والأمر عدد 942 لسنة 1993، وانتهاءً بتنقيحات 2023.
ورغم هذا التضخم التشريعي، أثبت الواقع أن "كثرة القوانين تعيق النجاعة". فكل حكومة تأتي بتنقيحات جديدة تزيد من التسلسل الإداري وتشتت الصلاحيات بين وزارات الفلاحة، التجهيز، الداخلية، والبيئة، مما يخلق حالة من "العطالة الإدارية" عند وقوع الكارثة.
"حالة انعقاد دائم": جملة حفظها التونسيون عن ظهر قلب، لكنها لم تمنع تسرب المياه إلى بيوتهم أو فقدان محاصيلهم.
الحل نحو "ديوان وطني للجوائح والطوارئ"
إن مجابهة الكوارث في عصر التغير المناخي لا يمكن أن تدار بـ"عقلية الموظف" والانتظار المركزي للتعليمات. الحل يكمن في مراجعة جذرية تتجاوز الترميم القانوني نحو:
إحداث ديوان وطني للجوائح يتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية، ويكون المظلة الوحيدة والمسؤولة عن التدخل الميداني، بعيداً عن تشتت اللجان بين الوزارات.
اللامركزية في القرار من خلال تمكين تمثيليات جهوية ومحلية من موارد بشرية ومعدات لوجستية جاهزة للتحرك الفوري، ففي زمن الطوارئ، "الدقيقة تساوي حياة".
تحديث العمل الأمني والمدني بالانتقال من "رد الفعل" خلال مجابهة الجوائح والطوارئ إلى "الاستباق" في إدارة المخاطر عبر توظيف التكنولوجيا ومراكز البحث العلمي بشكل فعلي وميداني.
التشبيك مع المجتمع المدني الذي أثبت في كل موعد أو أمر جلل أو طارئي بالبلاد جديته ووقفته الحازمة في معاضدة مجهودات الدولة
خلاصة هذه السياقات والتجارب والاوضاع التي شهدناها بأن تلك التشريعات وطرق العمل قد تجاوزها الزمن و أُكل عليها الدهر وشرب. إن تونس اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في سياسة "مكتوبنا ومكتوبكم" وانتظار رحمة السماء، أو بناء مؤسسة سيادية قوية وقادرة على مواجهة "الوحش المناخي" القادم لا محالة.