أوبريت عالية : مواهب قصرينية تعانق الإبداع وتقتلع أرقى انطباع

54 vues

بعيون مترعة إعجابا وانبهارا وانشدادا لكل حركة وكلمة ونغمة ، تابع جمهور غفير غصت به مدارج مسرح سيليوم الأثري مساء 11 أوت 2020 عرضا استثنائيا في نمط فني غير تقليدي اختارت جمعية البعد السابع أن تطلق عليه اسم : ” أوبريت عالية ” … أوبيريت لأنه عبارة عن قطعة تياترية درامية موسيقية تتضمن مشاهد مسرحية ولوحات كوريغرافية وأغان ومعزوفات وإيقاعات مستمدة من روح الموروث الشعبي للجهة ، وعالية نسبة لبطلة الملحمة التي ترتبط بها كل أحداث الحكاية التي ماتزال تمور في وجدان وذاكرة أبناء القصرين يتوارثونها جيلا بعد جيل .
تبتدئ الحكاية بصراع بين أبناء القبيلة حطاب وذياب للظفر بقلب عالية التي تجمعها الأقدار بعياش الغريب التائه العطشان عند الغدير فترويه من ماء جرتها ، ويرتبطان بقصة حب جميلة من النظرة الأولى ، قصة لم يكتب لها أن تكتمل لأن العيون التي رصدتهما نكلت بهما وشاية وتحريضا وحصارا مما جعلهما يتفقان على الفرار معا عند الفجر إثر الصيحة الثانية للديك .
وتشاء الأقدار أن تشتبه على عالية صيحات الديك لتجد نفسها لقمة سائغة في فم الأسد الذي يعيش على مشارف القبيلة فتصيب الفاجعة عياش ويهجو من تسبب في موت حبيبته :
يخزيك يا عافن الريش ** حيّرت زين القطاطي
حيرتها بالتعوعيش ** و الليل مازال باطي
وينزل الخبر كالصاعقة على القبيلة وشيخها والد عالية فتردد في نغمة حزينة كئيبة :
“خيالك مفقود ها العالية واندادك في الجحفة قعود ها العالية “
ثم يمضي شباب القبيلة للانتقام من الأسد الباغي الذي فجعها في عالية فيفشلون ليظهرعياش في نهاية المشهدية الحزينة وهو يمشي حزينا كئيبا وبيده رأس الأسد الذي جلبه للقبيلة تعبيرا عن انتقامه لحبيبته وأهلها .
أوبيريت عالية عمل مشرف ومتكامل أخرجه الفنان المسرحي المبدع الطيب الملايكي جاء نتاجا لورشات جمعت أكثر من 40 شابا وشابة في الغناء والإيقاع والكوريغرافيا دام الاشتغال عليها عدة أشهر بتأطير من أبرز فناني الجهة وكفاءاتها وتحت إشراف جمعية البعد السابع للثقافة والمواطنة.
الجمهور الغفير الذي واكب أوبيريت عالية عبر عن عظيم انبهاره وإعجابه الشديد بالعرض وأثنى كثيرا على نجومه بدءا من الفنان المسرحي صاحب الصوت الشجي الجمعي العماري، ومرورا بالأداء التمثيلي الاحترافي لبطلي العمل محمد حملاوي وغفران قاهري، ووصولا إلى كل من نجم النوبة محمد المسعودي والاكتشاف المذهل عبدو الصالحي فضلا عن الكوريغراف المتميزين الذي أشعلوا الركح حركات بهلوانية وتعبيرية مبهرة متناسقة رافقت كل المشاهد لا يمكن إلا ان نثني عليها شديد الثناء .
ولايمكن لنا طبعا أن نمر دون الثناء على ثلاثي من ذهب أمن باقتدار وحرفية تامة وذوق كامل العرض ممثلا في همام التليلي في هندسة الصوت وكلا من شاكر قاهري وعبد القادر هرماسي في الإضاءة
في كلمة مر عرض أوبيريت عالية على خشبة المسرح الأثري بالقصرين كالحلم الجميل ليؤكد مرة أخرى أن القصرين ولّادة وأنها تعجّ مواهب يمكن أن تصنع الحدث حيث حلّت ، وأن التراث الشفوي للجهة ما يزال معينا خصبا يمكن استثماره والاشتغال عليه متى توفرت العزيمة والظروف الملائمة .


لطفي هرماسي